الشيخ محمد هادي معرفة

461

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وتكون « لا » صلة . كذلك تفعل بما كان في أوّله جحد . وربما أعادوا على خبره جحدا للاستيثاق من الجحد والتوكيد له ، كما قالوا : ما إن رأينا مِثلَهُنَّ لَمَعْشَرٌ * سودُ الرؤسِ فوالجٌ وفيولٌ « 1 » و « ما » جحد و « إن » جحد ، فجمعتا للتوكيد . ومثله : « وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ » « 2 » . ومثله : « وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ » « 3 » . وذكر ابن شهرآشوب : أنّ دخول « لا » و « ما » في كلام العرب توكيد ، وتمثّل بقول أبي النجم : فما ألوم البيض ألّا تسخرا . . . أي : ما ألومها أن تسخر . « 4 » ورجّح الإمام الرازي القول بعدم زيادتها ، وأنّها مفيدة وليست لغوا . قال : وهذا هو الصحيح ، لأنّ الحكم بأنّ لفظةً من كتاب اللّه لغو لا فائدة فيها مشكل صعب . ولتأويل الآية وجهان : الأوّل : أن يكون التقدير : أيّ شيء منعك عن ترك السجود . ويكون الاستفهام على سبيل الإنكار . أي : أيّ شيء كان يبعثك على الامتثال ، فامتنعت منه ، ومعناه : لم يكن لك داع على الامتثال من بدء الأمر . يدلّ على ذلك قوله تعالى : « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ » « 5 » . فالمعنى : أنّه لم يوجد لك ما يمنعك من ترك السجود . الثاني : ما ذكره القاضي : أنّ المراد من المنع هو الداعي ، أي : أيّ شيء حملك على ترك السجود .

--> ( 1 ) - . الفوالج ، جمع الفالج - بكسر اللام - وهو البعير ذو السنامين . والفيول ، جمع الفيل . ( 2 ) - . الأنعام 109 : 6 . ( 3 ) - . الأنبياء 95 : 21 . راجع : معاني القرآن للفراء ، ج 1 ، ص 374 . ( 4 ) - . متشابهات القرآن ، ج 2 ، ص 257 . ( 5 ) - . البقرة 34 : 2 .